عدنان زرزور
26
مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه
فإن معظم أقسام العراق والشام ، وجميع أنحاء إفريقية الشمالية - من مصر والسودان إلى المغرب الأقصى - كانت غير عربية ، ولم تستعرب إلا بعد الإسلام » . وليس معنى ذلك أن العرب بقوا منطوين على أنفسهم في جزيرتهم على كرّ الأزمان ، بل إنهم كانوا ينزحون من الجزيرة إلى تلك البلاد المجاورة ، إلا أن قبائلهم التي نزحت قبل حمل رسالة القرآن « كانت تفقد صلاتها مع موطنها الأصلي ، وتتعرض إلى سلسلة من الأحداث والتطورات التي تنسيها ماضيها ، وتؤدي إلى اندماجها بسكان البلاد التي تستوطنها » . ويضيف ساطع الحصري - صاحب الاتجاه العلماني المعروف - قائلا : « ولكن الموجة البشرية التي تدفقت من الجزيرة العربية عند ظهور الإسلام ، ( قلت : أو التي رفعت راية الإسلام ، ومشت في ركاب الفتح الإسلامي ، للهداية والتحرير ) قد امتازت عن سابقاتها من هذه الوجوه امتيازا هاما جدا ، إنها لم تفقد صلتها بمنبعها الأصلي ، بل ظلت وثيقة الاتصال به من الوجهتين المادية والمعنوية ، وفضلا عن ذلك : استطاعت أن تنشر لغتها في مواطنها الجديدة ، وانتهت إلى تعريب سكان أقطار واسعة من البلاد المفتوحة تعريبا تاما » « 1 » . هذا هو دور القوة الدافعة الذي تم بفضل القرآن الكريم ، والذي يمكن تلخيصه بنشر اللغة العربية وتوسيع آفاقها . يضاف إلى ذلك أن القرآن الكريم ترك أثرا واضحا في لغات الشعوب الإسلامية التي آمنت بالقرآن ، ولكن لم يكتب لها أن يتعرب لسانها ، كالفارسية والتركية . وأثرا آخر أكثر وضوحا في اللغات التي شاركت لغة القرآن في صنعها بين
--> ( 1 ) ساطع الحصري : ما هي القومية ؟ ص 206 الطبعة الثانية . مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 1985 م .